مصر والريادة المفقودة
عندما من الله على المسلمين بفتح مصر أراد الله أن تلعب مصر دور قيادي في الدفاع عن الأمة الإسلامية فلقد ذكر الله مصر في أكثر من موضع في القرآن الكريم ولعل أبرز ما جاء في ذكر مصر عندما قال سيدنا يوسف اجعلني على خزائن الأرض وهو ما يعني أن الله حيا بمصر بثروات لا حصر لها إلا أن المشكلة التي نعاني منها حاليا هو سوء إدارة تلك الثروات ونهبها من جانب أصحاب السلطة والنفوذ كما أوصى رسولنا الكريم بمصر عندما قال لأصحابه إذا فتحتم مصر فاتخذوا منها جندا كثيفا فإن بها خير اجناد الأرض وذكر في حديث آخر مصر في رباط الى يوم الدين وكلما قامت مصر بهذا الدور قويت وازدهرت وكلما تقاعست عنه وانكفأت على حالة ضعفت ووهنت ولذا ارتبط أمن مصر القومي بأداء هذا الدور ورغم أن محمد علي لم يكن مصريا إلا أنه أدرك طبيعة هذا الدور خاصة فيما يتعلق بخصوصية الدور المصري في الشام خاصة أن كل الغزوات التي توالت على المشرق العربي كانت تأتي من الشام كما حدث في الغزو الصليبي والتتاري لذا فلقد ارسل الحملات التي استولت على أراضي الشام ووصلت إلى مشارف حدود الدولة العثمانية إلا أن الدول الأوروبية وعلى رأسها انجلترا وفرنسا تحالفت ضده واجبرته على العودة لحدود مصر ومن خلال تلك الأحداث التاريخية أدرك الغرب أن تكاتف مصر والشام سوف يشكل تهديدا لاطماعهم في الاستيلاء على العالم العربي لذا فلقد زرعوا دولة إسرائيل لفصل مصر عن الشام كما تأمروا على دولة الوحدة بين مصر وسوريا التي أقامها عبد الناصر عام 1958 حتى حدث الانفصال ورغم نجاح الاستعمار في فصل الدولتين إلا أنه لم يستطع أن يفصل الشعبين الذين ربطت بينهما أواصر تاريخية جعلت ما يحدث في الشام يتردد صداه في القاهرة والعكس صحيح ولقد ظهر ذلك جليا في ثورات الربيع العربي فلقد تفاعل الشعب السوري مع ثورة الشعب المصري إلا أن السلطة الحاكمة في البلدين استطاعت تحجيم تلك الثورات بالقوة تارة وبالسياسة تارة أخرى حيث تمكن الجيش المصري من إنهاء حكم الإخوان بعد عام واحد من توليهم السلطة كما استطاع بشار الأسد إنهاء ثورة الشعب السوري بالقوة مستخدما في ذلك أبشع درجات البطش مع الاستعانة بقوى خارجية وعلى رأسها روسيا وإيران وهو الأمر الذي أدى إلى تقسيم سوريا وكان طبيعيا أن يثور الشعب السوري ضد هذا الحكم الديكتاتوري واستطاع من خلال الفصائل المسلحة وعلى رأسها هيئة تحرير الشام أن يقصي نظام الأسد الديكتاتوري في أيام معدودة بعد هروب الجيش السوري والذي أدرك أنه يدافع عن نظام أذل الشعب وقسم سوريا وفتح الباب أمام التدخلات الأجنبية وبغض النظر عن تدخلات قوى خارجية وعلى رأسها تركيا في مساعدة السلطة الجديدة إلا أن انهيار نظام الأسد كان سيحدث آجلا أم عاجلا لأن هذا النظام أذل شعبه وأهدر كرامته ونهب ثرواته ولاشك أن درس الثورة السورية هو درس لكل الأنظمة العربية بأن الأمان الحقيقي لأي حاكم هو تحقيق العدالة لشعبه ومن المؤسف أن النظام المصري بدلا من أن يأخذ العبر من تلك التجربة بدأ في التضييق على السوريين المقيمين في مصر أو فرض قيود على السوريين في الخارج الذين يرغبون في المجيئ إلى مصر بدلا من مد يد العون لهم وتناسى هذا النظام تلك الروابط التاريخية بين مصر وسوريا وأهميتها بالنسبة للأمن القومي المصري ودورها الريادي وترك الفرصة لدول أخرى للتدخل في سوريا وكان يجب أن تكون مصر في طليعة الدول التي تمد يد العون إلى سوريا وشعبها حتى لا نكرر أخطاء الماضي أنني أوجه تلك الرسالة إلى النظام المصري من منطلق حبي لمصر وليس من منطلق تصفية الحسابات مع السلطة الحاكمة لأنني لا انتمي لتيار معين اعمل لحسابه وكما أنني حريص على مستقبل هذا البلد وأمنه والذي لن يتحقق إلا بالإستماع الى نبض الشعب وتحقيق العدالة ومحاربة طبقة المفسدين التي لا يهمها إلا تحقيق أجندات خاصة حتى لو أدى هذا إلى هدم الوطن .
مصطفى عماره