دعوات الوحدة تكشف عمق الانقسام داخل النظام الإيراني
في الوقت الذي يحاول فيه قادة النظام الإيراني إظهار صورة من التماسك والاستقرار، تكشف الوقائع اليومية وتصاعد الخلافات بين أجنحة السلطة أن النظام يمر بإحدى أكثر مراحله هشاشة منذ تأسيسه. فالدعوات المتكررة إلى “الوحدة” الصادرة عن رأس النظام لم تعد تعكس الثقة، بل تعبر عن حالة قلق عميقة من اتساع الانشقاقات السياسية وتفاقم الصراعات الداخلية حول المفاوضات مع الولايات المتحدة، والأزمة الاقتصادية، ومستقبل السلطة نفسها.
وقال نظام مير محمدي، الكاتب والخبير في الشؤون الإيرانية، في هذا الصدد: «عندما يضطر قادة النظام إلى تكرار الدعوات للوحدة والتحذير من الانقسام، فهذا يعني أن الانقسام أصبح حقيقة قائمة وليس مجرد احتمال. الأنظمة المستقرة لا تستجدي التماسك من أجنحتها، أما الأنظمة المأزومة فتتحول فيها دعوات الوحدة إلى مؤشر على حجم الخوف من التفكك الداخلي».
وأكد مير محمدي أن «الخلافات الحالية لم تعد تقتصر على أساليب إدارة الدولة، بل باتت تمس قضايا استراتيجية تتعلق بالمفاوضات مع واشنطن، والسياسات الإقليمية، وإدارة الأزمة الاقتصادية، وحتى توزيع الصلاحيات داخل مؤسسات الحكم. وهذا ما يفسر انتقال الصراع من الغرف المغلقة إلى وسائل الإعلام والمنابر الرسمية».
وأضاف: «الأخطر أن هذه الانقسامات تتزامن مع تدهور اقتصادي غير مسبوق. فارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع دائرة الفقر، كلها عوامل تزيد من الضغوط على النظام وتعمق التناقضات بين أجنحته. وكل طرف يحاول تحميل الطرف الآخر مسؤولية الفشل المتراكم».
وأشار مير محمدي إلى أن «اعتراف مسؤولين وبرلمانيين وحتى قادة سابقين في الحرس بمسؤولية السياسات الخاطئة عن الأزمات الحالية يعكس حجم المأزق الذي وصلت إليه السلطة. فالنظام لم يعد يواجه فقط ضغوطاً خارجية، بل يواجه أزمة ثقة داخلية وانسداداً سياسياً واقتصادياً يهدد تماسكه».
وفي هذا السياق، تتجه الأنظار أيضاً إلى التظاهرة الإيرانية الكبرى المرتقبة في باريس يوم 20 يونيو 2026، والتي سيشارك فيها عشرات الآلاف من الإيرانيين وأنصار الحرية، في رسالة تؤكد أن البديل الديمقراطي بات يحظى بحضور متزايد على الساحة الدولية، بالتزامن مع اتساع حالة الرفض الشعبي داخل إيران.
وختم نظام مير محمدي تصريحه بالتأكيد على أن «دعوات الوحدة التي تصدر اليوم من داخل النظام ليست تعبيراً عن القوة، بل عن الخوف. وعندما تترافق الانقسامات الداخلية مع الغضب الشعبي المتصاعد والأزمة الاقتصادية الخانقة، فإن ذلك يشير إلى أن النظام يواجه أزمة وجودية حقيقية تتجاوز قدرته التقليدية على الاحتواء والمناورة».