سجينتان سياسيتان تكشفان فظائع السجون الإيراني

0

تكشف شهادات السجينتين السياسيتين السابقتين حميرا حسامي وشيرين نريمان جانباً مروّعاً من واقع السجون السياسية في إيران، حيث تتحول الزنازين إلى أدوات منظمة لتحطيم الإنسان، وتصبح الاعتقالات التعسفية والتعذيب والإعدامات جزءاً من منظومة حكم قائمة على الخوف والقمع. فقد اعتُقلت كلتاهما في سن المراهقة بسبب نشاطهما المؤيد للحرية والديمقراطية، قبل أن تعيشا تجربة قاسية داخل سجون نظام ولاية الفقيه، لا تزال آثارها النفسية والإنسانية حاضرة حتى اليوم.
وتؤكد شهادتاهما أن ما يجري داخل السجون الإيرانية ليس مجرد انتهاكات فردية أو ممارسات معزولة، بل سياسة ممنهجة تستهدف سحق أي وعي ديمقراطي، وخصوصاً بين الشباب والنساء، ومنع تشكل قوة اجتماعية قادرة على تحدي النظام. ومن الاعتقال المفاجئ إلى الحبس الانفرادي، ومن التعذيب النفسي والجسدي إلى الإعدامات الجماعية، تتكرر الصورة نفسها: نظام يخشى المجتمع، فيحاول إخضاعه عبر السجن والمشنقة.
“الاعتقال في سن المراهقة”
اعتُقلت حميرا حسامي وهي في السادسة عشرة من عمرها، بسبب معتقداتها السياسية وانخراطها في مجموعات طلابية داعمة لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية. وجدت نفسها فجأة داخل سجن إيفين، أحد أكثر السجون شهرة في سجل القمع الإيراني، حيث يبدأ العذاب منذ اللحظة الأولى للاعتقال: لا تهمة واضحة، لا حماية قانونية، ولا قدرة للضحية على معرفة مصيره.
وتشير تجربتها إلى أن النظام يستهدف الشباب والمراهقين بصورة خاصة، لأنه يرى في وعيهم السياسي المبكر خطراً على استمراره. فالاستجواب الفوري، والعزل القسري، والحبس الانفرادي ليست مجرد أدوات تحقيق، بل وسائل لكسر الإرادة وسحق الشخصية قبل أن تتحول إلى قوة رفض ومقاومة.
“التعذيب ومشهد المشانق”
أما شيرين نريمان، فقد اعتُقلت وهي في الخامسة عشرة من عمرها بسبب نشاطات داعمة للحرية والديمقراطية. وتكشف شهادتها عن أشكال قاسية من التعذيب الجسدي والنفسي، وعن تجربة أكثر رعباً تمثلت في مشاهدة أصدقاء وزميلات في الزنزانة يُقتدن إلى الإعدام.
وتوضح شيرين أن رؤية رفاق السجن وهم يُساقون إلى المشانق تترك أثراً لا يمحى. فالضحية لا تواجه ألم التعذيب فقط، بل تعيش صدمة الموت المتكرر، وتُجبر على التعايش مع فكرة أن الدور قد يأتي عليها في أي لحظة. ولهذا، فإن كل خبر جديد عن إعدام داخل إيران يعيد إلى ذاكرتها ذلك الألم، ويحول الجرح الشخصي إلى دافع دائم لمواصلة الدفاع عن الضحايا الذين أسكتهم النظام.
“مجزرة 1988 وسياسة الإعدام المستمرة”
ولا يمكن فصل هذه الشهادات عن السياق الأوسع لجرائم النظام الإيراني، وفي مقدمتها مجزرة عام 1988، التي تُعد من أبشع الجرائم ضد الإنسانية في العصر الحديث. فبموجب فتوى أصدرها خميني، أُعدم أكثر من 30 ألف سجين سياسي، كان معظمهم من أعضاء وأنصار منظمة مجاهدي خلق الإيرانية.
غير أن الإعدام في إيران لم يبق حدثاً من الماضي. فالنظام يواصل استخدامه حتى اليوم كأداة لإرهاب المجتمع ومنع اندلاع انتفاضات جديدة. ومع كل موجة احتجاج أو تصاعد في الغضب الشعبي، تعود آلة الإعدام إلى العمل بوتيرة أشد، لتوجيه رسالة واضحة إلى الشعب: كل من يرفع صوته قد يواجه السجن أو المشنقة.
“لا شاه ولا ملا”
وتؤكد التجربتان أن الشعب الإيراني لا يناضل من أجل استبدال ديكتاتورية بأخرى، ولا يسعى إلى العودة إلى الماضي. فمعاناة الإيرانيين لم تبدأ فقط مع نظام الملالي، بل تعود أيضاً إلى حقبة حكم الشاه، حيث كانت حرية التعبير مقموعة، والسلطة مركزة، والمعارضة ملاحقة.
ومن هنا، فإن الشعار الذي يعبّر عن جوهر الحراك الإيراني هو “لا شاه ولا ملا”. فالمطلب الحقيقي ليس تغيير الوجوه، بل تغيير البنية الاستبدادية نفسها، وبناء جمهورية ديمقراطية تقوم على الحرية، والمساواة، وسيادة الشعب، واحترام حقوق الإنسان.
“المقاومة المنظمة والبديل الديمقراطي”
تُظهر هذه الشهادات أيضاً أن خوف النظام الأكبر ليس من الغضب الشعبي وحده، بل من ارتباط هذا الغضب بقوة منظمة تمتلك مشروعاً سياسياً واضحاً. ولهذا يستهدف النظام منظمة مجاهدي خلق الإيرانية والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بشراسة متواصلة، لأنه يدرك أن وجود مقاومة منظمة يحرم الديكتاتورية من احتكار المستقبل.
وتطرح المقاومة الإيرانية، بقيادة السيدة مريم رجوي، رؤية سياسية واضحة من خلال خطة النقاط العشر، التي تدعو إلى إلغاء عقوبة الإعدام، وفصل الدين عن الدولة، والمساواة الكاملة بين النساء والرجال، وإقامة إيران غير نووية، ديمقراطية، تعيش بسلام مع شعوب المنطقة والعالم.
“رسالة إلى المجتمع الدولي”
تخلص هذه الشهادات إلى رسالة واضحة: لم يعد الاكتفاء ببيانات القلق والإدانة كافياً. فالمجتمع الدولي مطالب بإنهاء سياسة الاسترضاء، واتخاذ خطوات عملية ضد نظام يستخدم السجون والإعدامات أداة للحكم. وتشمل هذه الخطوات تصنيف قوات الحرس كمنظمة إرهابية، وتجميد أصول النظام، وإغلاق سفاراته التي تُستخدم كأذرع سياسية وأمنية، والأهم الاعتراف بحق الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة في إسقاط هذا النظام وإقامة بديل ديمقراطي.
إن ما ترويه حميرا حسامي وشيرين نريمان ليس مجرد ذاكرة شخصية لسجينتين سابقتين، بل شهادة على طبيعة نظام كامل. نظام يخاف من فتاة في الخامسة عشرة، ومن طالبة في السادسة عشرة، لأنه يدرك أن الوعي حين يتحول إلى مقاومة يصبح أقوى من السجون. ومن هنا، فإن أقبية الموت في إيران لا تكشف فقط وحشية الجلاد، بل تكشف أيضاً صلابة الضحايا الذين حوّلوا الألم إلى صوت، والخوف إلى مقاومة، والذاكرة إلى معركة من أجل الحرية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الاسطورة تويتر _ الاسطورة الجديد _ العمدة سبورت _ ترددات القنوات _ سعر الدولار اليوم