إيران: الإعدامات بوصفها سياسة خوف لا سياسة حكم
لم تعد موجة الإعدامات الأخيرة في إيران قابلة للقراءة بوصفها مجرد إجراءات قضائية أو تشدداً أمنياً مألوفاً. ما يظهر في المشهد الإيراني اليوم هو استخدام متصاعد لعقوبة الإعدام كأداة سياسية في لحظة تبدو فيها السلطة أكثر حساسية تجاه أي اهتزاز داخلي. فكلما تراجعت قدرة النظام على ضبط الشارع واحتواء التوترات الاجتماعية، ازداد اعتماده على أدوات الردع القصوى، وفي مقدمتها المشنقة، في محاولة لفرض الصمت على مجتمع يتراكم فيه الغضب.
إعدام أربعة من أعضاء منظمة مجاهدي خلق خلال يومين فقط، بعد سنوات من الاعتقال والتعذيب والمحاكمات التي يصفها ناشطون وحقوقيون بأنها تفتقر إلى الحد الأدنى من العدالة، لا يمكن فصله عن سياق أوسع. الرسالة التي أراد النظام توجيهها إلى الداخل تبدو واضحة: الاستعداد للذهاب إلى أبعد حدود القمع من أجل منع أي انفجار اجتماعي أو سياسي. غير أن هذه الرسالة تحمل في الوقت نفسه معنى آخر، وهو أن دوائر السلطة نفسها باتت تتصرف من موقع القلق، لا من موقع الثقة.
في هذا الإطار، يعود إلى الواجهة استحضار مجزرة عام 1988، لا كمجرد إحالة تاريخية، بل كمؤشر إلى نمط متكرر في سلوك النظام عند اشتداد الأزمات. ففي كل مرة يشعر فيها بأنّ التهديد يتجاوز حدود الاحتواء التقليدي، يعود إلى القمع الواسع باعتباره وسيلته الأوضح لإعادة فرض السيطرة. لكن الفارق اليوم أن المجتمع الإيراني تغيّر، وأن الخوف الذي كان يؤدي سابقًا إلى الانكماش، لم يعد ينتج النتيجة نفسها بالضرورة.
من هنا يبرز سؤال أساسي: لماذا الآن؟ ولماذا تتسارع وتيرة الإعدامات بينما تعيش البلاد في ظل توتر خارجي وحرب مفتوحة الاحتمالات؟ الإجابة، كما يراها كثير من المراقبين، تكمن في أن التهديد الأخطر بالنسبة إلى النظام لا يأتي من الخارج وحده، بل من الداخل أيضًا. الحرب قد تُضعف البنية العسكرية أو الاقتصادية، لكنها في الوقت نفسه تسرّع التآكل الداخلي، وتزيد من احتمالات الاحتجاج والرفض الاجتماعي، وهو ما يدفع السلطة إلى اعتماد القمع الاستباقي بوصفه محاولة لتأخير الانفجار.
هذا ما يجعل الإعدامات جزءًا من إدارة الخوف أكثر من كونها تعبيرًا عن «قوة الدولة». فالأنظمة الواثقة من تماسكها لا تحتاج عادة إلى هذا القدر من العنف الرمزي والمباشر في آن واحد. أما حين تتحول المشنقة إلى أداة يومية لإرسال الرسائل السياسية، فإن ذلك يكشف عن هشاشة كامنة، وعن إدراك ضمني بأن أدوات السيطرة التقليدية لم تعد كافية.
في المقابل، تبدو الساحة الداخلية الإيرانية أكثر تعقيدًا مما توحي به الرواية الرسمية. فإلى جانب الاحتجاجات الاجتماعية، برز خلال الفترة الأخيرة حديث متزايد عن دور وحدات المقاومة في توسيع مساحات التحدي داخل البلاد، سواء عبر أنشطة ميدانية أو من خلال التأثير المعنوي والسياسي. وبغضّ النظر عن حجم هذا الدور وطبيعته الدقيقة، فإن حضوره في خطاب النظام نفسه يعكس خشية واضحة من انتقال الغضب من مستوى الاحتجاج المتفرق إلى مستوى التنظيم والتأثير المباشر.
ولا يقف التحدي عند هذا الحد. فالنظام يواجه أيضًا نقاشًا متصاعدًا حول البدائل السياسية، في ظل طرح مشاريع انتقالية تتحدث عن حكومة مؤقتة وانتخابات حرة ونقل للسيادة إلى الشعب. هذا النوع من الطروحات لا يكتفي برفض النظام القائم، بل يقدّم، في نظر أنصاره، تصورًا سياسيًا منافسًا لمرحلة ما بعده. وهنا تكمن إحدى عقد النظام الأساسية: لم يعد يواجه فقط اعتراضًا شعبيًا، بل أيضًا إمكان تشكّل خطاب سياسي بديل.
مع ذلك، يبقى العامل الدولي موضع تساؤل كبير. فبينما تتسارع الإعدامات وتتزايد التقارير عن انتهاكات واسعة، لا يزال الرد الخارجي في كثير من الأحيان يدور في إطار الإدانات العامة وبيانات القلق. مثل هذا التردد يُقرأ في طهران، غالبًا، بوصفه هامشًا يسمح بمواصلة القمع من دون كلفة سياسية فورية.
في المحصلة، ما يحدث في إيران اليوم يتجاوز كونه ملفًا حقوقيًا صرفًا، على أهميته، ليصبح جزءًا من معركة أوسع بين سلطة تسعى إلى إطالة عمرها عبر القمع، ومجتمع يواصل البحث عن طريق إلى مستقبل مختلف. ومن هذه الزاوية، تبدو الإعدامات أقل قدرة على تثبيت الحكم مما يظن أصحابها، وأكثر قدرة على تعميق الشرخ بين الدولة والمجتمع. فكلما زاد العنف، زادت معه المؤشرات على أن الأزمة لم تعد أزمة احتجاجات معزولة، بل أزمة نظام يخشى ما قد تحمله الأيام القادمة.