إيران بين الحرب والمساومة… والخيار الثالث يعود إلى الواجهة

0

 

في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، ومع تصاعد الأسئلة حول مستقبل الحرب والسلام في إيران والشرق الأوسط، عُقدت عبر منصة “زوم” إحاطة توجيهية شارك فيها عدد من الصحفيين والكتّاب والمحللين العرب المعنيين بالشأن الإيراني، وتحدث فيها الدكتور سنابرق زاهدي، رئيس لجنة القضاء في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، فيما أدار النقاش موسى أفشار، عضو المجلس الوطني للمقاومة.
وجاءت الإحاطة قبيل التظاهرة الإيرانية الكبرى المرتقبة في باريس يوم 20 يونيو 2026، والتي يُتوقع أن يشارك فيها أكثر من 100 ألف من أبناء الجاليات الإيرانية وأنصارهم، دعماً لنضال الشعب الإيراني من أجل الحرية والديمقراطية والسلام، وتحت شعار يرفض في آن واحد دكتاتورية الشاه ودكتاتورية الملالي.
“الشعب الإيراني… العامل الغائب”
استهل زاهدي مداخلته بالتأكيد أن معظم القراءات السياسية والعسكرية للأزمة الراهنة تغفل العامل الأهم في المعادلة: الشعب الإيراني. ففي خضم الحديث عن الحرب، والمفاوضات، ومضيق هرمز، والبرنامج النووي، والاتفاقات المحتملة، يتم تجاهل 93 مليون إيراني في الداخل، ونحو 10 ملايين إيراني في الخارج.
وشدد على أن مظاهرة باريس ليست مجرد حدث احتجاجي عابر، بل رسالة سياسية موجهة إلى الداخل الإيراني والعالم معاً، مفادها أن الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة هما الطرف الحقيقي الذي حاولت قوى كثيرة إبعاده عن معادلة المستقبل.
وأوضح أن التظاهرة تحمل رسالتين واضحتين: الأولى حقوقية وإنسانية تحت شعار “لا للإعدام”، في مواجهة موجة الإعدامات السياسية المتصاعدة في إيران؛ والثانية سياسية، تؤكد أن الشعب الإيراني يرفض كل أشكال الدكتاتورية، سواء جاءت باسم الشاه أو باسم الملالي، ويتمسك بقيام جمهورية ديمقراطية تقوم على الحرية وسيادة الشعب.
“لا حرب ولا سلام”
وفي قراءته لمسار الأزمة، قال زاهدي إن المنطقة تقف أمام وضع شديد التعقيد. فبعد حربين، إحداهما استمرت 12 يوماً والأخرى 40 يوماً، لا يبدو أن أياً من الأطراف يريد حرباً مفتوحة. الولايات المتحدة وإسرائيل لا تريدان الغرق في مواجهة طويلة، ودول المنطقة لا ترغب في حرب جديدة تهدد أمنها ومصالحها، أما نظام ولاية الفقيه فيدرك أن الحرب الشاملة قد تفتح عليه أبواباً لا يستطيع السيطرة عليها.
غير أن النظام، بحسب زاهدي، لا يستطيع في الوقت نفسه قبول سلام حقيقي، لأنه لا يريد التخلي عن برنامجه النووي، ولا عن أدواته الإقليمية، ولا عن دوره التخريبي في المنطقة. ومن هنا، يفضّل البقاء في حالة “لا حرب ولا سلام”: توتر دائم، تهديدات متبادلة، تفاوض متقطع، وتصعيد محسوب.
واستعاد زاهدي عبارة سابقة لخامنئي قال فيها إن النظام “لا ينتحر خوفاً من الموت”، معتبراً أن هذه العبارة تلخص منطق السلطة في طهران. فالحرب قد تكون خطراً قاتلاً، لكن القبول بشروط تؤدي إلى تفكيك جوهر ولاية الفقيه يمثل، في نظر النظام، انتحاراً سياسياً داخلياً.
“الداخل يغلي”
لكن المحور الأبرز في الإحاطة كان الداخل الإيراني. فقد أكد زاهدي أن النظام يخاف من الشعب أكثر مما يخاف من أي قوة خارجية. فالمجتمع الإيراني يعيش حالة غضب وترقب، وأي تصدع في أجهزة القمع أو أي فرصة سياسية مناسبة قد يدفع الناس مجدداً إلى الشوارع.
وتوقف عند مؤشرات اقتصادية واجتماعية تكشف عمق الانفجار الكامن. فقد اقترب سعر الدولار من 190 ألف تومان قبل أن يتراجع إلى نحو 175 ألفاً، في حين كان وصوله إلى 145 ألف تومان أحد محفزات انتفاضة يناير السابقة. كما أشار إلى أن خط الفقر بلغ نحو 70 مليون تومان، بينما لا يغطي الحد الأدنى للأجور سوى ثلث احتياجات الأسرة، في ظل تضخم خطير، خصوصاً في أسعار المواد الغذائية.
واعتبر أن هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات اقتصادية، بل دليل على أزمة حكم ونظام يبدد موارد البلاد على القمع، والصواريخ، والمغامرات الخارجية، والبرنامج النووي، بينما يترك الإيرانيين تحت ضغط الفقر واليأس.
“الإعدام كسلاح سياسي”
وفي ملف الإعدامات، قال زاهدي إن النظام يستخدم حبل المشنقة كسلاح سياسي لإرهاب المجتمع ومنع الانفجار. وأشار إلى أن إيران سجلت خلال عام 2025 رقماً غير مسبوق في الإعدامات بلغ 2159 حالة من أصل 2707 إعدامات في العالم، ما رفع الحصيلة العالمية إلى أعلى مستوى منذ عام 1981.
ولفت إلى أن النظام صعّد منذ انتفاضة يناير الإعدامات السياسية إلى أكثر من 30 حالة، بينهم عشرة من الأعضاء الرسميين في منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، إضافة إلى آخرين من أنصار خط المقاومة. واعتبر أن كثافة الإعدامات لا تعكس قوة النظام، بل خوفه من المجتمع ومن اتساع دور المقاومة المنظمة.
“وحدات المقاومة وتحوّل الغضب إلى فعل منظم”
في مقابل القمع، عرض زاهدي صورة عن نشاط وحدات المقاومة داخل إيران، مشيراً إلى أن عملياتها خلال عامي 2025 و2026 تجاوزت 4092 عملية. كما نفذت خلال انتفاضة يناير 630 عملية بين 28 ديسمبر 2025 و11 يناير 2026، شملت حماية المحتجين والشباب المنتفضين.
وتحدث أيضاً عن عملية 23 فبراير 2026 ضد بيت خامنئي في قلب طهران، بمشاركة 250 من أعضاء مجاهدي خلق، قبل خمسة أيام من بداية الحرب الأخيرة، مشيراً إلى أن نحو مئة من المشاركين استُشهدوا أو فُقدوا، بينما تمكن 150 منهم من الانسحاب إلى قواعدهم.
“الخيار الثالث”
وفي خلاصته، أكد زاهدي أن سياسة المساومة مع النظام فشلت خلال العقود الماضية، لأنها لم تدفعه إلى الاعتدال، بل شجعته على المزيد من القمع والحروب. وفي المقابل، أثبتت التطورات الأخيرة أن الحرب الخارجية لا تؤدي إلى إسقاط النظام ولا تصنع بديلاً ديمقراطياً.
ومن هنا، عاد “الخيار الثالث” إلى صدارة النقاش: لا حرب أجنبية، ولا مساومة مع الاستبداد، بل الاعتراف بحق الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة في تغيير النظام. وهو الخيار الذي طرحته السيدة مريم رجوي قبل نحو عشرين عاماً من على منبر المجلس الأوروبي، ويستند إلى وجود شعب مستعد للانتفاض، وشبكة مقاومة منظمة داخل البلاد، وبديل سياسي قادر على إدارة انتقال ديمقراطي منظم.
وفي هذا السياق، اعتبر زاهدي أن إعلان الحكومة المؤقتة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في 28 فبراير 2026 يكتسب أهمية خاصة، لأنه يجيب على سؤال “ماذا بعد سقوط النظام؟”، ويمنع أي فراغ سياسي يمكن أن تستغله قوى انتهازية أو بقايا النظام الملكي السابق.
كما حذر من محاولات إعادة تسويق بقايا الشاه كبديل مصطنع، معتبراً أن هذه القوى لا تملك قاعدة حقيقية داخل إيران، وقد راهنت على الحرب الخارجية ودعت إلى ضرب البنية التحتية وممتلكات الشعب الإيراني، بما يجعل دورها في المحصلة عاملاً معرقلاً للانتقال الديمقراطي وخادماً لبقاء نظام ولاية الفقيه.
“باريس كاختبار سياسي”
وشدد زاهدي في ختام الإحاطة على أن تظاهرة 20 يونيو في باريس يجب ألا تُقرأ كحدث جماهيري فقط، بل كعمل سياسي يؤثر في توازن القوى. فهي رسالة إلى الداخل الإيراني بأن هناك صوتاً واسعاً ومنظماً يقف إلى جانب الشعب، ورسالة إلى العالم بأن البديل الديمقراطي موجود، ورسالة إلى نظام الملالي وبقايا الشاه معاً بأن مستقبل إيران لن يكون عودة إلى الماضي ولا استمراراً للحاضر، بل انتقالاً إلى جمهورية ديمقراطية تحترم حقوق جميع المواطنين والأقليات القومية والدينية.
وفي نهاية اللقاء، طرح الصحفيون والكتّاب المشاركون أسئلة حول احتمالات الحرب والسلام، ومستقبل المفاوضات، وموقع مضيق هرمز، ووضع الداخل الإيراني، واحتمالات اندلاع انتفاضة جديدة، وطبيعة البديل الديمقراطي، ودور المجلس الوطني للمقاومة في مرحلة ما بعد سقوط النظام. وأكد زاهدي وأفشار أن مستقبل إيران لا تحدده صفقات الخارج ولا مغامرات الحرب، بل إرادة الشعب الإيراني وتنظيم مقاومته وقدرته على فرض التغيير من الداخل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الاسطورة تويتر _ الاسطورة الجديد _ العمدة سبورت _ ترددات القنوات _ سعر الدولار اليوم