وصفة الموت البطيء.. سياسات النظام الإيراني تحرم ملايين المرضى من الدواء

0

 

لم تعد أزمة نقص الأدوية وارتفاع أسعارها في إيران مجرد مشكلة اقتصادية عابرة، بل تحولت بسرعة مرعبة إلى كارثة إنسانية وصحية شاملة. فبعد أسابيع من اندلاع الحرب، وفي ظل وقف إطلاق نار هش، يجد ملايين المرضى الإيرانيين أنفسهم ضحايا لسياسات النظام الإيراني التي دمرت سلاسل الإمداد وعزلت البلاد مالياً، لتترك أصحاب الأمراض المزمنة والمستعصية يواجهون الموت البطيء يومياً في طوابير الصيدليات.
خنق شرايين الحياة: انهيار الإمداد وصدمات العملة
لقد ضربت الحرب شرايين الإمداد الدوائي في مقتل، حيث انخفض حجم التجارة عبر مضيق هرمز بنسبة 90% في الأيام الأولى للصراع، وتراجعت حركة الشحن الجوي الإقليمي بشكل حاد. هذا الشلل أجبر المستوردين على اللجوء إلى مسارات بديلة ومكلفة لوجستياً عبر دول مجاورة كتركيا، مما أدى إلى تأخير الشحنات ومضاعفة تكاليفها.

ومما زاد الطين بلة، الصدمات القاتلة في سياسة النقد الأجنبي؛ إذ لم يعد السعر التفضيلي للعملة يغطي سوى 10% فقط من الأدوية والمواد الخام المستوردة. أما الـ 90% المتبقية، فقد أُلقي بها في أتون نظام نيما للصرف، الذي شهد قفزات جنونية إثر محاولات توحيد العملة أوائل هذا العام. هذا الارتفاع الصاروخي ضاعف من تكاليف الإنتاج المحلي والاستيراد، وسحق ما تبقى من قدرة شرائية للمواطنين.

تدمير البنية التحتية وإنكار السلطة
وإلى جانب القيود المصرفية المعقدة التي شلت حركة التحويلات المالية وجعلت استيراد المواد الخام عملية شبه مستحيلة، تعرضت البنية التحتية الدوائية لضربات قاصمة. فقد تضررت نحو 25 منشأة وشركة دوائية جراء الضربات العسكرية، بما في ذلك استهداف مباشر لمؤسسات بحثية وإنتاجية حيوية مثل معهد باستور وشركة توفيق دارو.

ورغم احتراق مخازن الأدوية الحيوية، يواصل مسؤولو النظام الإيراني سياسة الإنكار المعتادة، متغنين بـ المرونة ووجود احتياطيات في شبكة تضم 18 ألف صيدلية. لكن هذا الخطاب الدعائي يتناقض بشكل صارخ مع صرخات المرضى، وخاصة مرضى السرطان، الذين يجوبون الشوارع بحثاً عن أدوية انقطعت تماماً أو تضاعفت أسعارها بشكل خيالي.
تأمين وهمي ومعضلة الاختيار بين المأوى والعلاج
على أرض الواقع، أصبح التأمين الصحي مجرد حبر على ورق. ففي ظل انهيار الموارد وتراكم الديون، اتسعت الفجوة بين التغطية التأمينية والتكاليف الفعلية، ليُترك المريض لمواجهة أسعار السوق الحرة القاسية. وتلخص صرخة أحد الآباء المشهد برمته قائلاً: أصبحت مضطراً للاختيار بين دفع الإيجار أو شراء الدواء لوالدي.. التأمين بات اسماً بلا فاعلية.

لقد أُجبر العديد من المرضى على تقنين أدويتهم، أو تغيير الجرعات دون إشراف طبي، أو التخلي عن العلاج كلياً.

في المحصلة، إن الانهيار المتسارع لقطاع الصحة ليس سوى عرض لمرض أعمق. فحين تنقطع سبل التجارة، وتعجز المستشفيات عن تأمين احتياطياتها الطارئة، يتحمل المواطن الأعزل الثمن الأكبر. إن هذه المأساة الصامتة تثبت مجدداً أن الطبيعة الاستبدادية لـ النظام الكهنوتي لا تكترث البتة بحياة مواطنيها؛ فقد زجت بالبلاد في أتون المغامرات العسكرية ودمرت اقتصادها، تاركة الإيرانيين يصارعون المرض والفقر ليدفعوا ثمن سياسات صُنعت بعيداً عن إرادتهم ومصالحهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الاسطورة تويتر _ الاسطورة الجديد _ العمدة سبورت _ ترددات القنوات _ سعر الدولار اليوم