أزمة إيران الكبرى: حين يصبح إسقاط النظام خياراً لا مفرّ منه
في لحظةٍ إقليمية شديدة الاضطراب، تتقاطع فيها الحروب المفتوحة مع أزمات داخلية متفاقمة، يأتي انعقاد المؤتمر الدولي لدعم الحكومة المؤقتة التابعة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ليطرح سؤالاً جوهرياً: هل ما زال بالإمكان التعاطي مع الأزمة الإيرانية بالأدوات القديمة، أم أن المنطقة والعالم يقفان أمام لحظة تحوّل تفرض إعادة تعريف شاملة لمقاربة هذا الملف؟
إن ما تشهده إيران اليوم ليس مجرد أزمة سياسية عابرة، بل هو نتيجة تراكم أربعة عقود من السياسات القائمة على القمع الداخلي والتوسع الخارجي. هذا الواقع لم يأتِ فجأة، بل سبقته تحذيرات متكررة من المقاومة الإيرانية التي دقّت ناقوس الخطر منذ التسعينيات، بدءاً من كشف مشاريع التطرف، مروراً بفضح البرنامج النووي السري، ووصولاً إلى تعرية شبكات التدخل الإقليمي وأجهزة القمع والاستخبارات.
لكن المشكلة لم تكن فقط في طبيعة النظام، بل أيضاً في الطريقة التي تعامل بها العالم معه. فسياسة الاسترضاء، التي اتبعتها قوى دولية لسنوات طويلة، لم تؤدِ إلى تغيير سلوك النظام كما كان يُؤمل، بل ساهمت عملياً في تمكينه. وكما أثبتت الوقائع، فإن الرهان على “ترويض” نظام يقوم على الأيديولوجيا والتوسع لم يكن سوى وهمٍ مكلف، انتهى بتوسيع رقعة الأزمات بدل احتوائها.
اليوم، تبدو الصورة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فالفوضى التي كان يُحذَّر منها في حال غياب النظام، تحققت في ظل بقائه. والتطرف الذي كان يُفترض احتواؤه، تحوّل إلى شبكة معقدة من الأزمات تمتد من الداخل الإيراني إلى عمق الإقليم. وفي المقابل، فإن استمرار القمع وانتهاك الحقوق لم يُنتج استقراراً، بل راكم أسباب الانفجار.
في هذا السياق، تبرز مسألة البديل كأحد أكثر الملفات حساسية. فخلال السنوات الماضية، جرى الترويج لفكرة أن غياب النظام سيؤدي إلى فراغ وفوضى. غير أن ما يُطرح اليوم يختلف عن هذه الصورة النمطية، حيث يتم تقديم مشروع متكامل يقوم على حكومة مؤقتة، وبرنامج سياسي محدد، وخطة انتقالية واضحة المعالم.
هذا الطرح يقوم على مجموعة من الركائز، أبرزها وجود ائتلاف سياسي منظم، وشبكات داخلية ناشطة، وخبرة تنظيمية ممتدة، إضافة إلى برنامج سياسي لما بعد التغيير. وهو ما يعكس محاولة لتجاوز واحدة من أبرز إشكاليات التحولات السياسية في المنطقة، أي غياب البديل المنظم.
غير أن النقطة الأكثر أهمية في هذا الطرح تكمن في تأكيده على أن التغيير يجب أن يكون نابعاً من الداخل، وليس نتيجة تدخل خارجي. فالتجارب الإقليمية أثبتت أن فرض التغيير من الخارج غالباً ما يؤدي إلى نتائج كارثية، بينما يبقى التغيير الداخلي، رغم صعوبته، أكثر قدرة على إنتاج استقرار مستدام.
وفي المقابل، فإن الرهان على إعادة إنتاج أنماط حكم سابقة، سواء بصيغ جديدة أو عبر أدوات إعلامية وسيبرانية، لا يبدو أنه يحمل حلاً حقيقياً. فإيران، التي دفعت ثمناً باهظاً تحت حكم أنظمة استبدادية متعاقبة، لا يمكن أن تعود إلى الوراء تحت أي مسمى. كما أن محاولات فرض بدائل غير منبثقة من الواقع الاجتماعي والسياسي الإيراني قد تؤدي إلى مزيد من الانقسام بدل الحل.
من جهة أخرى، فإن التطورات الأخيرة داخل النظام نفسه، بما في ذلك الاتجاه نحو تكريس الطابع الوراثي للسلطة، تعكس حالة انسداد سياسي عميق. فبدلاً من تقديم حلول للأزمات المتراكمة، يبدو أن النظام يلجأ إلى إعادة إنتاج نفسه بصيغ أكثر هشاشة، وهو ما قد يسرّع من فقدانه للشرعية الداخلية.
وفي خضم هذا المشهد، تطرح المقاومة الإيرانية رؤيتها القائمة على إقامة جمهورية ديمقراطية، وفصل الدين عن الدولة، وضمان حقوق المرأة، وإلغاء عقوبة الإعدام، وبناء دولة قائمة على التعددية. وهي مبادئ، بغض النظر عن المواقف السياسية منها، تعكس توجهاً نحو إعادة صياغة العقد الاجتماعي في إيران.
لكن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في طرح هذه الرؤية، بل في القدرة على تحويلها إلى واقع عملي. فمرحلة ما بعد التغيير، كما تشير التجارب الدولية، تتطلب إدارة دقيقة، وانتقالاً منظماً، ومؤسسات قادرة على الحفاظ على الاستقرار. وهنا تبرز أهمية الحديث عن حكومة مؤقتة، لا بوصفها هدفاً بحد ذاتها، بل كأداة لعبور مرحلة انتقالية حساسة.
في المحصلة، يبدو أن الأزمة الإيرانية وصلت إلى نقطة لم يعد فيها الاستمرار على النهج السابق خياراً قابلاً للاستدامة. فالعوامل التي أوصلت الوضع إلى ما هو عليه اليوم ما زالت قائمة، بل وتزداد تعقيداً. وفي المقابل، فإن طرح بدائل سياسية منظمة يعكس إدراكاً متزايداً بأن التغيير لم يعد مجرد احتمال، بل أصبح استحقاقاً يفرض نفسه.
السؤال الذي يواجه المجتمع الدولي اليوم ليس ما إذا كان التغيير سيحدث، بل كيف يمكن التعامل معه بطريقة تقلل من كلفته وتمنع انزلاقه إلى الفوضى. وبين الاستمرار في سياسات أثبتت فشلها، والانخراط في مقاربات جديدة تعترف بواقع التحولات، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة في إيران والمنطقة بأسرها.