حماية إسرائيل باتت عبئاً إستراتيجياً على واشنطن

0

 

د. سنية الحسيني

 

تتزايد المؤشرات على أن العالم يتجه نحو عصر التعددية القطبية، أي أفول عهد الهيمنة الأميركية المنفردة، وتوزع القوة العالمية بين قوى متعددة. نما الاقتصاد الصيني واقترب من حجم اقتصاد الاتحاد الأوروبي، وثلثي الاقتصاد الأميركي، وباتت الصين رائدة تكنولوجية مخيفة، وضاعفت خلال سنوات قليلة ترسانتها العسكرية النووية، وطورت بإحكام ترسانتها العسكرية التقليدية. وأثبت الحرب الروسية الأوكرانية الاستعداد الروسي لخوض الحروب في سبيل إعادة رسم الحدود دفاعاً عن مصالحها، كقوة قطبية عالمية. وتوسعت مجموعة البريكس، بمزيد من الدول، لتعزز نظاماً ينافس النظام الغربي المهيمن. وارتفع عدد القوى المتوسطة عالمياً باطراد لافت، سواء على المستوى الاقتصادي او السياسي او حتى العسكري، في تحولات تعزز الاقتراب من القطبية المتعددة. تقف الولايات المتحدة على الجانب الآخر من تلك التحولات ساعية لتقويضها، للاحتفاظ بتسيّدها. وقد تكون السياسة التي اتبعها دونالد ترامب منذ وصوله للسلطة، من فرض تعريفات جمركية مرتفعة، على حلفائه وأعدائه، وتخفيض اعتماد حلفائه الغربيين عسكرياً على واشنطن، ومحاولاته السيطرة على فنزويلا وغرينلاند بالقوة، طريقته لإثبات أن العالم لا يزال محكماً وفق القطبية الأميركية المطلقة. ولكن هل تعي واشنطن أن الاستنزاف الأميركي في معركة جانبية مع إيران، من أجل أهداف وطموحات بنيامين نتنياهو، يشكل إنهاكاً لقدراتها، التي تحتاجها لمواجهة أندادها، خصوصاً الصين وروسيا، في معركتها الوجودية؟

 

تعتبر إسرائيل المُهندس الرئيسي للحرب العدوانية الحالية ضد إيران، والتي تخوضها بثمن محدود بسبب شراكتها مع واشنطن. تظهر استطلاعات الرأي في إسرائيل تأييد الحرب على إيران بأغلبية كبيرة، في ظل الشراكة مع واشنطن، بينما يتضاءل ذلك التأكيد كثيراً، في حال شنت إسرائيل الحرب على إيران بمفردها. وتعتقد إسرائيل أن الوقت والفرصة مناسبان حالياً، لاستغلال ضعف إيران للقضاء عليها، بعد حرب غزة، وإضعاف حزب الله في لبنان، لتغيير وجهة الشرق الأوسط وتحالفات المنطقة، وفي ظل طموحات نتنياهو الداخلية أيضاً، والمرتبطة بالانتخابات والاحتفاظ بالسلطة.

 

على الجانب الآخر، تخوض واشنطن هذه الحرب العدائية، أو الهجومية على إيران، دون تقديم مبرر سياسي أو عسكري مقنع داخلياً، أو دعم من الكونغرس، أو مساندة شعبية أميركية، ودون تفويض من الأمم المتحدة، أو تحالف مع أصدقاء واشنطن. ولم يكن هناك تهديد وشيك بحصول إيران على أسلحة نووية أو شن هجمات على الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها في الشرق الأوسط. وحسب استطلاع رأي أجرته القناة الثانية عشرة الإسرائيلية نهاية الشهر الماضي، أيدت غالبية كبيرة من الإسرائيليين شنّ هجوم أميركي إسرائيلي مشترك على إيران، بينما أظهر استطلاع رأي أجرته شبكة CNN مؤخراً، أن ٦٠ في المائة من الأميركيين يرفضون هذه الحرب، ويطالبون ترامب بالحصول على موافقة الكونغرس على أي تعاون عسكري إضافي. ويشكك العديد من الأميركيين في جدوى هذه الحرب، خصوصاً داخل تحالف «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA)، وفي ظل وعود ترامب لأنصاره بعدم شن حروب جديدة.

لم تنجح واشنطن في تحقيق إستراتيجيتها التي تبلورت في عهد الرئيس باراك أوباما في العام ٢٠١١ بالاستدارة نحو آسيا، وتخفيف ارتباطاتها بالشرق الأوسط، وذلك لمواجهة الصعود المتسارع للصين، التي تشكل الخطر الأكبر على مستقبل النظام الدولي الأحاديّ القطبية بقيادة واشنطن. ورغم بقاء هذه الاستراتيجية حاضرة في توجهات الإدارات اللاحقة، فقد ذكرت الصين في إستراتيجية الأمن القومي للعام الماضي أكثر من أي خصم آخر، إلا أن الولايات المتحدة تتراجع يوماً بعد يوم عن تواجدها العسكري وتحالفاتها في آسيا من أجل الشرق الأوسط وحماية إسرائيل.

 

رغم أنه الهدف المعلن لإسرائيل، واستهل به ترامب أهداف الهجوم على إيران نهاية الشهر الماضي، يتفق المحللون الإسرائيليون والمسؤولون الأميركيون اليوم على صعوبة إسقاط النظام في إيران. ولجأت الولايات المتحدة، في أعقاب اغتيال المرشد وعدد من القادة الإيرانيين، إلى دعوة الشعب الإيراني للثورة على النظام، وهو ما لم يتحقق أيضاً. وتوجهت واشنطن، ضمن ذات السياق، لتسليح ميليشيات كردية شمال العراق لغزو إيران وإسقاط النظام، كما قامت إسرائيل بقصف مواقع حدودية ومواقع شرطية وعسكرية على طول الحدود الشمالية بين إيران والعراق لتمهيد الطريق لتلك المليشيات.

 

يأتي ذلك على الرغم من اتفاق العديد من خبراء مراكز التفكير الأميركية على أن انهيار النظام في إيران بدون ترتيب سياسي واضح، سيتسبب بـ “زعزعة الاستقرار” في المنطقة، ويشكل خطرًا كبيرًا على المصالح الأميركية. في تحليل حديث لبروكنغز، جرى التحذير من أن تغيير النظام هو “أخطر” نقطة ضعف في الحرب، لأن السيناريوهات المحتملة كلها سيئة، ويصف بروكنغز هذا المسار بأنه قد يقود إلى “lose-lose outcome”، أي نتيجة خاسرة للجميع. كما يعتقد مجلس العلاقات الخارجية CFR أن الآثار الفورية لانهيار النظام قد تكون “شديدة الإشكال”، حيث ستشعل اضطرابات عابرة للحدود، أو نزعات انفصالية، تضر بالجوار الخليجي والإقليمي، وبأمن واقتصاد المنطقة، وتشكل السيناريو الأصعب على الولايات المتحدة. ويرى كذلك مركز RAND أن أي انهيار غير منظم في إيران لا يهدد فقط ميزان القوى، بل أيضاً التجارة والطاقة والاستقرار الإقليمي، وهي ملفات تمس مباشرة المصالح الأميركية وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. ورغم وجود مراكز أميركية تدعم سقوط النظام في إيران، وإن كانت محدودة مقارنة بالتوجه السابق، مثل معهد واشنطن القريب من إسرائيل، إلا أن تلك المراكز لا تقدم رؤية واضحة لنتائج ذلك الانهيار على المنطقة وعلى مصالح واشنطن.

 

اختارت إيران أن تصمد في وجه الاعتداء الأميركي الإسرائيلي، وتبنت إستراتيجية التصعيد الأفقي في محاولة لتغيير مسار الهجوم عليها، وذلك بتوسيع نطاق الحرب الجغرافي وإطالة أمدها، في محاولة لحرفها عن التركيز العمودي في جبهة واحدة. فاعتبرت إيران أن الدول التي ترتكز فيها قواعد عسكرية أميركية أو تدعم الولايات المتحدة في هجماتها على إيران تعتبر هدفاً لمقذوفاتها. ويشمل التصعيد الأفقي أيضاً، والذي تبنته إيران، تغيير رؤية الخصم للمخاطر، فقد رفعت إيران التكلفة السياسية والاقتصادية لاستضافة دول الخليج للقواعد الأميركية، الأمر الذي أعاد الحسابات ليس فقط لدول الخليج، بل أيضاً لواشنطن نفسها. وقد اعتبر ترامب أن استهداف القواعد العسكرية الأميركية بعد الهجوم المزدوج الأميركي الإسرائيلي على طهران شكّل مفاجأة لواشنطن. وطلبت الولايات المتحدة من إسرائيل مؤخراً وقف ضرب البنية التحتية للطاقة في إيران، خصوصًا منشآت النفط، وهي المرة الأولى التي تضغط فيها واشنطن على إسرائيل لوقف نوع محدد من الهجمات منذ بداية هذه الحرب. وقصفت إسرائيل عشرات مستودعات الوقود الإيرانية، الأمر الذي أثار حفيظة واشنطن. قد تخرج إيران بعد هذه الحرب، التي تجنبت لعقود خوض صراع مباشر مع أميركا وإسرائيل أكثر تصميمًا على التسليح النووي لردع أي اعتداءات مستقبلية عليها من قبل إسرائيل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الاسطورة تويتر _ الاسطورة الجديد _ العمدة سبورت _ ترددات القنوات _ سعر الدولار اليوم