قلب طهران يهتز: لماذا هرع النظام إلى النفي؟
طهران/واشنطن – أعاد منشور لرودي جولياني على منصة “إكس” فتح ملف حساس في طهران، بعدما نقل عن “منظمة مجاهدي خلق” رواية تقول إن “مقاتلي المقاومة” اشتبكوا مع “الحرس الثوري” “قرب مقر خامنئي” في العاصمة، وإن أكثر من “100” من عناصر المنظمة “قُتلوا أو جُرحوا أو اعتُقلوا”، مع حديث عن “خسائر كبيرة” داخل المجمع من دون أرقام دقيقة.
خلال الأيام الماضية، أثارت رواية نُسبت إلى “منظمة مجاهدي خلق” عن “اشتباكات” قرب “مقر المرشد علي خامنئي” في وسط طهران جدلاً واسعاً في الإعلام العربي والدولي، خصوصاً بعد أن نقلها عدد من المتابعين والسياسيين على منصات التواصل. غير أنّ السمة الأبرز في التغطية لم تكن التفاصيل العسكرية بقدر ما كانت “جغرافيا الحدث”: “شارع باستور” وما يمثله في بنية الحكم.
“باستور” ليس شارعاً عادياً في طهران. في التوصيفات الصحافية المتداولة، هو قلب “المنطقة الحكومية الحساسة” حيث تقع منشآت سيادية وأمنية عالية التحصين، ويأتي في مقدمتها “مقر إقامة المرشد” إضافة إلى مؤسسات مثل “مجلس صيانة الدستور” و”مجلس الخبراء” و”مكاتب أمنية وقضائية رفيعة”.
في هذا السياق، أفادت “إيران إنترناشيونال” (نسختها العربية) بوجود “تقارير متضاربة” عن “وقوع اشتباكات مسلحة قرب مكتب خامنئي في شارع باستور”، وقالت إن وسائل إعلام تابعة للنظام نفت الأمر، بينما نسبت إلى “مجاهدي خلق” قولها إن الاشتباكات أفضت إلى “مقتل أو اعتقال أكثر من 100” من عناصرها.
من جهتها، ركزت “الشرق الأوسط” على زاوية النفي الإيراني، ناقلة أن وكالة مقربة من “الحرس الثوري” تحدثت عن “ادعاءات لا أساس لها”، لكنها في الوقت نفسه أعادت تثبيت “مسرح الرواية” عبر شرح موقع “مجمع مطهري” داخل “قلب المنطقة الحكومية الحساسة” وما يضمه من مؤسسات سيادية. هذا التلازم بين “النفي” و”تفصيل حساسية الموقع” هو ما جعل القصة تتقدم بسرعة إلى واجهة الاهتمام: عندما يتعلق الأمر بـ”باستور”، فإن مجرد تداول رواية أمنية يصبح حدثاً سياسياً بحد ذاته.
“في الميدان”: من يدّعي أنه يدفع الثمن؟
في القراءة الإعلامية للرواية، يتكرر تعبير واحد بصورة لافتة: إن ما يُميّز “مجاهدي خلق” – وفق منظور أنصارها – هو أنها “تتحرك في الميدان” و”على الأرض”، لا في الخطاب وحده. وتُقدَّم “الكلفة البشرية” كعنصر إثبات سياسي: رقم “أكثر من 100” بين “قتيل/جريح/معتقل” يتردد في أكثر من مادة ناقلة للرواية، بما يجعل “الثمن” جزءاً من الرسالة وليس هامشاً فيها.
وهنا تبرز نقطة “إثباتية” كثيراً ما يستند إليها خطاب المنظمة: “الاسم والهوية” لا “الرمز”. ففي بيان نُشر على موقع المنظمة بالإنجليزية حول الحادثة نفسها، ورد أنها ستقدم “الأسماء والهويات” لمن تقول إنهم قُتلوا أو جُرحوا أو اعتُقلوا إلى “منظمات حقوقية دولية” بأقرب وقت ممكن.
كما أوردت “Eurasia Review” أن المنظمة أعلنت تقديم “أسماء وتفاصيل تعريفية” لعدد من المعتقلين إلى “مقرري الأمم المتحدة الخاصين” وإلى منظمات حقوقية دولية “ليستفسروا عن أوضاعهم”. هذا النمط – أي ربط الحدث الميداني بملفات أسماء تُرفع إلى قنوات دولية – يُستخدم كدليل على امتلاك شبكات جمع معلومات “من داخل إيران” وليس عبر أسماء مستعارة أو بيانات عامة.
وحتى خارج هذا الحدث، تنشر مواقع مرتبطة بالمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية قوائم أسماء بأرقام كبيرة، تتضمن “أسماء وأعماراً” وتفاصيل شخصية لمن تصفهم بـ”شهداء” الاحتجاجات، باعتبارها حصيلة “تحقق” وتوثيق، ما يعزز خطاب “الأسماء الحقيقية” كوسيلة لإسناد الرواية.
هذه النقطة تكتسب وزناً إضافياً في ضوء نداءات أممية متكررة حول “الكشف عن مصير وأماكن وجود” المعتقلين والمفقودين بعد الاحتجاجات، وهو ما يجعل ملف الأسماء والهويات في صلب النقاش الحقوقي الدولي، لا في الهامش.
لماذا ينفي النظام؟
السؤال الذي يهم المراقبين ليس فقط “ماذا حدث؟” بل “لماذا هذا النفي السريع؟”. في قراءة سياسية شائعة، يدرك النظام أن الاعتراف – أو حتى ترك الرواية تتوسع بلا رد – سيكسر أحد أعمدة صورته: “حصانة المركز”. فإذا انفتح “سرّ باستور” على المجال العام، فإن الرسالة التي ستلتقطها شرائح واسعة من الشباب هي أن “قلب السلطة ليس بعيداً ولا محصناً كما يُقال”. وفي مثل هذه اللحظات، تتحول القصة – كما يصفها ناشطون – إلى “ومضة خاطفة” تُوجّه اهتمام الشباب نحو الجهة التي تقول إنها “تعمل في الميدان” وتدفع الكلفة، أي “مجاهدي خلق.”
من هنا، يصبح النفي وظيفة وقائية مزدوجة: أولاً، حماية صورة “الأمن المطلق” حول الدائرة السيادية؛ وثانياً، قطع الطريق على أي أثر تعبوي قد يدفع مزيداً من الشباب إلى الاعتقاد بأن “الطريق إلى التغيير” يمر عبر تنظيمٍ يقدّم نفسه كقوة منظمة “على الأرض”. وهذا يفسر لماذا تتعامل طهران مع أخبار “باستور” بحساسية فائقة: لأن التحدي ليس في خبرٍ واحد، بل في “أثره المعنوي” إن اتسع وتحوّل إلى قناعة عامة.
خلاصة
بين “تقارير متضاربة” و”نفي رسمي” و”رواية معارضة”، تبقى التفاصيل النهائية رهن ما قد يتكشف لاحقاً من أدلة مستقلة. لكن المؤكد في “قراءة الإعلام” أن “باستور” سيظل نقطة اختبار: أي رواية عن اضطراب قربه، حتى لو نُفيت، تعني أن النظام بات يقاتل أيضاً على جبهة “الصورة” و”الردع المعنوي” في الداخل، بينما يواصل خصومه محاولة تثبيت سردية مفادها أن من يتحرك “في الميدان” ويحوّل الأسماء إلى ملفات دولية، هو من يفرض نفسه على المشهد الإيراني.