سَــــمّ الـخِــــيــــاط الـحَـلْـقَـة الأُولـى: اِسْـتِـئْـنـاف الـكِـتـابَـة كـمـيـل أَبـو حـنـيـش

0

 

مَضَت قُرابة أربعة شهور على الحرية، والإنعتاق من عالم الأغلال والزّنازين الموحشة…
تحقّق الحلم أخيراً بعد ٢٣ عاماً من السّجن المؤبّد، لكنّه حلمٌ تجسّد على بحرٍ من الدّم، والألم، والأشلاء، والدّموع، والدّمار، بعد حرب الإبادة الهمجية التي شَنّها الأوغاد على غزة.
حلمٌ تحقق، ولكنّنا تركنا وراءنا الآلاف من أحبتنا الأسرى، الذين يجري التّنكيل بهم على أيدي السّجانين السفلة، الذين استيقظت فيهم الرّوح البهيمية المتوحشة.
حلمٌ تجسّد، ولما نلتقي الأهل والأحبّة، وننعم بعناقهم، وجدنا أنفسنا في ساحة المنفى، بعيداً عن أرض الوطن.
أربعة أشهر وأنا عاجزٌ عن استئناف الكتابة، والإمساك بالقلم، وقبلها عامين؛ منذ السابع من أكتوبر، بعد أن جرت مصادرة أقلامنا، وأوراقنا، وكُتبنا، وثيابنا، وكافة أمتعتنا، وجرت عمليّة عزلنا تماماً عن العالم، والتّنكيل بنا بصورة قاسية ووحشية.
لطالما كان القلم رفيقي الأعزّ طوال عشرين عاماً في السجن. كنت أكتب كل يوم، وأنجزت طوال هذه الرّحلة ما يربو على العشرين كتاباً، علاوةً على مئات المقالات والدّراسات المتنوعة.
غير أنّ هذا الإنقطاع عن الكتابة منذ الحرب تسبّب لي بنوعٍ من العجز… كيف لا، ونحن نشهد منذ السّابع من أكتوبر مجموعة من الصدمات والآلام، ومزيجٌ من الفرح والحزن، والوجع، والاعتزاز بشعبنا وأهلنا في غزة ومقاومتها الباسلة.
وفوق كل ذلك، تلك الفجوة الزّمانية الممتدة منذ عامين من الإنقطاع عن العالم، والأخبار، والمعلومات؛ تلك الفجوة التي لا يمكن جسرها بسهولة.
عامين ونحن نُكافح، ونتشبث بالحياة والأمل، في انتظار موعدنا مع الحرية، ونقاوم صَلَف السّجان، وعنجهيته السّافلة…
وعلاوة على هذا؛ العالم الجديد علينا… عالم نابض وسريعٌ، ومزدحم وجميلٌ، ونازف، ومتراكب، ولاهث، ومضطرب، وصاخب، ومتعدد الألوان…
كيف سيتسنى لك إذاً الإمساك بالقلم، وأنتَ تنتقل مُباشرة من عالم الزّنازين، والأصفاد، والأبواب الموصدة، والقمع، والتّنكيل، إلى عالم الشّوارع، والحدائق، والفنادق، والبحار، والأنهار، والبشر، والتكنولوجيا، والزّهور؟
ألا تحتاج إلى فترة انتقالية حتى يتسنّى لك استيعاب هذا العالم الجديد؟
حتى تُصدّق أنّك لست في لحظة حلم، وأنّها الحرية بالفعل، والحقيقة تُلامسها بتوجّس، وتَشُمّ عبيرها، وتتجرّعها رويداً رويداً.
منذ سنوات وأنا أحلُم بحرّيتي كفردوس مفقود. منذ سنوات وأنا أُخطّط لكتاب يَصف لحظة انبلاج فجر الحُريّة. أسميته مبدأياً:
«الولادة الثانية» أو «على بُعد حُريّة».
ومنذ أن بدأ فجر السّابع من أكتوبر المَجيد، شَرعتُ في كتابته، ولكن في رأسي، من دون قلم أو ورقة…
وها أنا أنتظر اللحظة المناسبة حتى أشرع في كتابته، وأَصِف من خِلاله ما حلّ بنا طوال عامين من القمع والتّنكيل الوحشي، وأفضح من خلاله ممارسات مَصلحة السّجون الصهيونية، ومن ورائها الحكومة الفاشية في «تل أبيب».
سَأكتب عن لحظات الأَلَم، والأَمَل، والتّرقُب، والحُلم…
سأكتب عن لحظة مُلامَسة الحُريّة، وإشراقتها الرّائعه في روحي…
إذاً، أعود لاسئناف الكتابة بعد أن تعافيتُ جُزئياً من داء الصّخب، والإحساس بالإغتراب.
إذ كيفَ سيكون بوسع المرء أن يَكتُب، وهو ينتقل من عالم جَحيمي، حيث الشّحنة العاطفية، والإحساس المكثّف بالألم والحُلم، إلى عالم المَنفى؟
عالم فنادق الخمسة نجوم، والحياة الزّاخرة بألوانها.
لا يُمكن للكاتب أن يكتب مباشرةً، إلّا إذا كان مُجرّد آلة.
احتجت إذاً لهذا الوقت لإستئناف الكتابة، بعد استيعاب ما يجري.
أعود للكتابة، وقد غَدَت الهموم والمُهمّات أكثر ثَقلاً:
الجُرح الفلسطيني النّازف…
غزّة المكلومة…
عدوانية الصهاينة في المنطقة…
عذابات الأسرى…
العالم الذي دخل حقبة جديدة من الفساد، والإنحطاط، والبلطجة…
وفوق كل هذا، مُقاومة المَنفى.
أَجَل، سَأكتُب…
سَأَظَلّ مع شَعبي المُقاوم، وهذه المرّة من سَاحة المنفى…
نُقاوم، وَمعنا جُمهور غفير من الأصدقاء في شَتّى بقاع العَالم.
وفي هذا المَشروع الكتابي الجَديد، الذي أَسميته «سَمِ الخِياط»، أي ثُقب الإبرة.
وقد استخدم العَرب هذا التّعبير قَديماً، ووردت في القرآن الكريم:
《حتّى يَلِج الجمل في سم الخِياط》
الآية ٤٠ – سورة الأعراف.
وهو تعبير مجازي للدّلالة على الإستحالة، وشدّة الضّيق.
نعم، فنحن نَشهد عالماً ظَالماً ومظلماً، باتَ يَضيق عَلينا، ويتَعيّن علينا البحث عن زوايا وثغرات، ولو كانت بحجم سم الخياط، كي ننفذ منها.
فقدرنا المقاومة، وليسَ الاستسلام…
المُقاومة ضرورة، وليسَت خياراً.
وفي هذا المشروع، سَنتطرّق إلى زوايا ومُعالجات استثنائية وغير اعتيادية، ولكنّها حَتماً مُلتزمة بالدّفاع عن قَضايانا الإنسانية.
أدعو القارئ العَزيز للتّفاعل مع هذه الحلقات، وتسجيل المُلاحظات، والاقتراحات، وحتى الإنتقادات…
سَنُساهم مَعَاً في الكتابة.
قد نتّفق، أو نختلف، أو حتى نتشاجر…
ولكن لا بأس، طالما نؤمن جميعاً بالكلمة الحُرّة، والمؤثرّة، والصّادقة…
تَعالوا لِنُطوّر مَشروع المُقاومة الثّقافيه.
نُحلّل، ونُناقش…
نَفضح، ونُعرّي، ونَسخر، ونُجابه معاً…
لا يَكفي استمطار اللّعنات على عالم يقف على رأسه.
تَعالوا نضع العصي في دَواليب الزّمن البارد…
نَبحث عن بُقعة ضوء في عالمنا المُعتم…
نكون كَقطرات الماء المُتواصلة، التي تَثقب الصّخور الصّماء القاسية…
الهَمس الذي يَكسِر الصّمت…
تَعالوا نَبحث عن سَم الخياط، لنلج من خلاله إلى عالمٍ أكثر رحابةً، وأكثر إنسانية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الاسطورة تويتر _ الاسطورة الجديد _ العمدة سبورت _ ترددات القنوات _ سعر الدولار اليوم